
لو كانت وقائع الحروب الطاحنة. ولكن الصامتة، التي تخوضها الأمم فيما بينها، عبر لغاتها، تدرك من خلال بلاغات تصدرها الأطراف المتحاربة، لكنا نسمع في كل لحظة أخبارا مذهلة عن الهزائم والانكسارات التي منيت بها هذه الأمة أو تلك، أو معلومات عن الانتصارات والمكاسب التي تحققت لغيرها. لكننا لحسن حظنا أو لسوئه، لا نسمع إلا أصداء ضعيفة عن هذه المواجهة الضخمة الدائرة فوق مسرح مساحته الأرض كلها، والفضاء المحيط.
إنها أقدم حرب في العالم وأخطرها على الإطلاق، لكون الأسلحة المستخدمة فيها تؤدي مفعولها. أي اكتساح الثقافات، ومحو الهويات القومية من دون أن يرف جفن للجماعات المعنية بالأمر. خطورة هذه الحرب آتية من أنها تجري أمامنا دون أن نراها، وتسقط فيها المواقع والإرادات من غير ضجيج أو أثر ملموس، وتتحول فيها أجيال بكاملها الى الصف الآخر من دون أن تثير همة التصدي والمقاومة.
كل اللغات الكبرى ومن ضمنها العربية، تخوض اليوم هذه الحرب غير المعلنة: الإنكليزية تخوضها ضد الفرنسية في عقر دار هذه الأخيرة وفوق مسرح العالم؛ والإسبانية تشنها ضد الإنكليزية والفرنسية في أمريكا اللاتينية، والبرتقالية تساجل الإسبانية في البرازيل، والروسية تقارع الجميع في أوربا الشرقية، وتناوش طلائعها اللغات الأخرى في بعض البلدان الإفريقية والآسيوية.
معركة اللغة العربية اليوم تدور أساسا مع الفرنسية في الشمال الإفريقي. إنها حرب المتنبي ضد فولتير.
برغم كل الجهود التي بذلتها الحكومات في الأقطار الأربعة: (تونس، الجزائر، المغرب وموريتانيا)، منذ الاستقلال إلى اليوم في مجال تعميم التعليم وتعريب الابتدائي والثانوي مبدئيا، وجزء من التعليم العالي، برغم ذلك كله لا يمكن القول بأن العربية وصلت نقطة اللاعودة في صراعها مع الفرنسية.
اللغة الفرنسية حققت في عهد الاستقلالات الوطنية، أي خلال مدة قصيرة لا تتجاوز ربع قرن، ما لم تستطع إنجازه من التوسع والانتشار في مدة قرن وثلاثين سنة من الإدارة المباشرة للجزائر، وثمانين سنة من احتلال تونس ونصف قرن من حماية المغرب وإلحاق موريتانيا. وكل التوقعات المتصلة بمستقبل الثقافة والتعليم تشير الى أن السباق الجاري حاليا بين اللغتين من أجل بناء الفضاء العقلي، وصياغة الذهنيات في الشمال الإفريقي، يسير حتى الآن لصالح لغة فولتير. يقول غابريال دوبروغلي الرئيس السابق للجنة العليا للغة الفرنسية، والرئيس الحالي ل «اللجنة الوطنية للحريات والاتصال» المشرفة على أجهزة الإعلام الفرنسية (محطات الإذاعة والتلفزة التابعة للدولة)، في كتاب أصدره خلال شهر كانون الثاني (يناير) الماضي بعنوان: «الفرنسية، من أجل أن تحيا».

«من اليوم وحتى سنة 2000 سوف ينمو عدد الناطقين بالفرنسية بمعدل 267 في المائة في إفريقيا السوداء، وبمعدل 160 بالمائة في بلاد المغرب (تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا). إنه انفجار يعود الى الديمغرافيا وإلى التقدم في التمدرس. وفي سنة 1980 كان الفرنسيون يمثلون 52 في المائة من الناطقين بالفرنسية، أما في سنة 2000 فإن الأفارقة سوف يحتلون هذه المكانة لينخفض عدد الفرنسيين الى نسبة 34 في المائة. إنه انقلاب جذري لا يقتصر على الفرنسية وحدها ولعله يكون مفيدا لنا إذا عرفنا كيف نستعمله. ويكفي أن نتصور، وهو أمر غير سهل، أن عدد الناطقين بالفرنسية في القارة الإفريقية يمكن أن يصل الى 2500 مليون، وأن ثلثي النشاط الثقافي سوف يأتيان من العالم الثالث…».
يأتي الرئيس السابق للجنة العليا للغة الفرنسية، وهي
هيئة رسمية تقع دستوريا تحت إشراف رئيس الدولة، يأتي
بهذه الأرقام ليدق ناقوس الخطر بالنسبة إلى مستقبل
الفرنسية لغة للبحث العلمي، ويورد معلومات عن تراجعها
أمام الانكليزية في هذا المجال. إنها تتقدم عندنا بخطى
عملاقة، وتنتكس على جبهة العلوم في موطنها الأصلي.
بدأ الانحطاط منذ حقبة الخمسينات عندما فقدت المجلات العلمية الفرنسية سمعتها أمام منافساتها الأمريكيات المزدهرات، ثم تفاقم منذ عشر سنوات بعدما جرى تشجيع الباحثين الفرنسيين على نشر أعمالهم باللغة الإنكليزية. من خلال المعطيات التي أوردها غابريال دوبري في كتابه، نكتشف أن 80 في المائة من الباحثين باللغة الفرنسية، في قطاعات العلوم الدقيقة، يذيعون بحوثهم بلغة شكسبير، وأن نصف المراجع في كلية «أو رساي» للعلوم إنكليزي، وأن دائرة الوثائق العلمية والتقنية في المركز القومي للبحوث العلمية تتوفر على 15 ألف مطبوعة ودورية، لا تتجاوز حصة اللغة الفرنسية فيها ما بين 6 و7 في المائة. يضاف الى هذا أن الجامعات الفرنسية والمركز القومي للبحوث العلمية، والمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية، وعدة هيئات رسمية أخرى، تنظم سنويا عشرات المؤتمرات واللقاءات التي يقدم فيها الباحثون الفرنسيون مداخلاتهم بالإنكليزية، بينما يحرص عدد من الأساتذة الأجانب (الكنديون والسويسريون والبلجيكيون والمغاربة والأفارقة) على أداء مساهمتهم بلغة فولتير، حتى في المؤتمرات الخارجية يفضل الباحثون الفرنسيون الكلام بالإنكليزية؛ علما أن الفرنسية مقررة سلفا، كلغة عمل في مثل هذه التظاهرات. هكذا نجد أن النقاش الذي يثور من وقت الى آخر بين بعض مثقفينا وعلمائنا، حول موضوع اللغة العربية وعلاقتها بالعلوم وبالحياة العصرية، يجري ما يشبه أو ما يقرب منه بين المبدعين الفرنسيين أيضا، مع فارق جوهري هو أن أي واحد من هؤلاء الفرنسيين لا يناقش مسألة جدوى اللغة الفرنسية أو صلاحيتها. إنهم، أي الفرنسيون الذين يتقنون الإنكليزية، يعترفون بأنهم مكرهون على استعمالها، لكون ثلاثة أرباع مصادرهم عن المعلومات آتية منها، وهم عندما ينشرون بها، فإنما يبحثون عن الشهرة والنفوذ بهدف الدفاع عن مكانة فرنسا في العالم. في كلام آخر ينشر الفرنسي مباشرة بالإنكليزية رغبة منه في توسيع إشعاع بلده، وكسب أسواق وفضاءات جديدة للمخترعات والأفكار والمكتشفات الفرنسية.
بالطبع هناك من يرون أن نشر أعمالهم الإنكليزية في المجلات الأمريكية، يمنحهم مصداقية قد لا يجدونها داخل فضائهم الثقافي الأصلي، مثل ذلك الباحث «الشاطر» الذي نشر دراسة علمية ضمنها عمدا أخطا ء فادحة، ثم نبشها وفضحها بسرعة في الولايات المتحدة، وأسفر ذلك عن ورود اسم الكاتب عشر مرات في فهرس المصادر الأمريكية المرموقة. إنه ضرب من اقتحام الشهرة عن طريق الخطأ المقصود. لكن هذه الحيل كلها لم ترق قط الى مستوى اتهام اللغة الفرنسية بأنها أقل دقة من منافستها الإنكليزية، ولم تدفع الذين يمارسونها إلى الدعوة إلى اختراع لغة جديدة تعتمد على لهجات أهل «بريتانيا» و «النورماندي» و «الأوفر». وإذا تذكرنا أن غالبية المصطلحات العلمية المستعملة اليوم في الملفات الأوروبية، هي ذات أصول يونانية أو لاتينية، أدركنا الطابع النسبي للإشكالية المطروحة اليوم، على كل اللغات الحية الكبري ومن ضمنها لغة المتنبي. في تعبير آخر، ليست العربية هي وحدها التي تجابه ضرورات التلاؤم مع العصر، ولا هي وحدها المتخلفة في بعض المجالات عن مسايرة التطورات الصاعقة التي نعيشها.
إن إدراك هذه الإشكالية موجود بالدرجة نفسها عند اليمين وعند اليسار في فرنسا. لقد اتخذت حكومة ريمون بار الليبرالية اليمينية (1976)، في عهد الرئيس جيسكار ديستان، قرارا بقطع التمويل عن أي مؤتمر ينظم في فرنسا من طرف هيئات رسمية تابعة للدولة، لا تكون الفرنسية لغته. ولما وصل اليسار الى السلطة (1981) كان من جملة القرارات الأولى التي اتخذها، قرار بتوسيع اللجنة العليا للغة الفرنسية، وبضم علماء كبار إليها (مثل الفريد كاستلر الحائزة على جائزة نوبل) تعزيزاً لمكانتها في العلوم وتطهيرا لها من الدخيل والوحشي، كما قام بتأكيد قرار حجب التمويل عن أي مشروع أو مؤتمر أو اجتماع لا تكون الفرنسية أداته الوحيدة. يحدث ذلك كله في الوقت الذي ترتفع فيه من حين الى آخر في المغرب العربي، أصوات تدعونا الى إدخال البربرية الى التعليم، وإلى التخلي عن العربية الفصحى. وإحلال اللهجات الدارجة مكانها!
